ساسي سالم الحاج
113
نقد الخطاب الاستشراقي
تفسر الوحي الإلهي فإنه لم يفعل ذلك في كتابه « محمد » حينما طرح سؤالا استفهاميّا هامّا هو : هل كان محمد نبيّا ؟ . ويجيب عن هذا السؤال قائلا : « أرى من وجهة نظري أن هناك خيالا خلّاقا متدفقا لدى محمد ، وأن معظم الأفكار الناجمة عن هذا الخيال صحيحة وعادلة ، ولكن جميع الأفكار القرآنية ليست كذلك . بل توجد نقطة واحدة على الأقل ليست صحيحة ألا وهي أن « الوحي » أو الخيال الخلّاق أسمى من تصرّفات الإنسان العادية باعتبارها مصدرا لوقائع تاريخية مجملة ، ثم إن خيال محمد الخلّاق فتح آفاقا عميقة ، وأنتج أفكارا ارتبطت بالقضايا الرئيسة للوجود الإنساني ، بحيث أصبح دينه يتمتع بجاذبية كبيرة ليس في زمانه فحسب بل خلال القرون التي تلته » « 1 » . ثم يعود « وات » إلى شرح صفات الوعي النبوي عند محمد وذلك كمحاولة منه لتفسير نزول الوحي عليه . ويقتبس من رأي « بولين » مقاطع هامة أراد من خلالها تفسير هذه الظاهرة والتي يتلخّص محتواها عنده - عند بولين - أنه قد ميّز في حديثه عن مظاهر التجربة الدينية التي يسميها تعبيرا أو رؤى في الحالتين بين نموذجين داخلي وخارجي . تتضمن التعبيرات الخارجية الكلام الذي تسمعه الأذن وإن كان لم يرسل بصورة طبيعية ، وكذلك الرؤى الخارجية هي رؤى أشياء مادية أو تبدو كذلك حين تدركها العين . ويقسم « بولين » التعبيرات الداخلية إلى رؤى خيالية ورؤى فكرية ، تتلقى الأولى مباشرة بدون مساعدة السمع ، وأما الثانية فهي عبارة عن مجرد اتصال فكري بدون كلمات أو أي شكل من أشكال الكلام المحدد ، ويمكن للرؤى الداخلية أن تكون خيالية أو فكرية « 2 » . ثم تعرّض « وات » إلى أنواع الوحي وكيفياته مستندا في ذلك إلى الروايات الإسلامية ، وإلى تفسير الآيتين 51 و 52 من سورة الشورى : وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ * وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ . وأحال « وات » في شرح كيفية الوحي الوارد في الآيتين السابقتين إلى تفسير
--> ( 1 ) Watt , Mahomet , op . cit , p . 210 . ( 2 ) مونتجمري وات ، محمد في مكة ، المرجع السابق ، ص 97 .